الطبيب فرنسوا كيناي وعلم الاقتصاد

اضغط هنا لتحميل المقال

ان العالم وما يحتويه يتحرك في سكون مذهل, ليعطي لنا قوانين ثابتة وازلية, قوانين تربط بين السكون والحركة بشكل منسجم, ولا يمكننا ان نفصل بين الظواهر الطبيعية والتي هي في الاصل منبت هذه القوانين الثابتة وبين الظواهر الانسانية والاجتماعية والتي تعكس العلاقات الانسانية في ما بينها وبين الطبيعة, لذلك نجد هذا التطور السريع والمتراكم لهذه العلاقات, والتي تنمو وبشكل متشتت ومنفصل في ذهن العقلية العادية, اما المتأملة والمتدبرة فهي ترى انسجاما عميقا, بل اكثر من ذلك من خلال عملية التأثر والتأثير وبشكل جلي, وها نحن مع الاقتصاد والذي ينتقل وبصورة سريعة من علم انساني اجتماعي الى علم شبه دقيق خاصة بارتباطه بالرياضيات والاحصاء وبالعلوم الاخرى.

     ان الاعتماد على القوانين الثابتة هو بداية الطريق الصحيح, وقد سبقنا في ذلك الطبيب الفرنسي فرنسوا كيناي من خلال ايمانه بقوانين الطبيعة واهميتها في تطوير العلوم, والذي نجح في مقاربته بين دور القلب ودور النشاط الزراعي في المجتمع, وهذا ما يشجعنا على التأمل اكثر في هذه المسلمات, لنجد الجرأة على ربط هذه القوانين بعلم الاقتصاد, والغريب في الامر اننا وجدنا تشابه كبير جدا في وقتنا الحالي بين وظيفة القلب والبنك المركزي, فكلاهما يعمل في حيز محدد المعالم, وكلاهما يتحكم في سيولة تتأثر بمكوناتها وكذلك بالعالم الخارجي, كلاهما يتشابهان في خطر التسرب النقدي والنزيف, كلاهما ايضا يحتاج الى اجهزة واعضاء للتحكم في الكمية, وكلاهما يعيش تحت الجدلية ايهما افضل وايهما يكون مستقل, )– القلب ام العقل-,- البنك المركزي ام الحكومة-(, وهناك نقاط تشابه كثيرة جدا لا يسعنا ذكرها,وهي ارضية خصبة للبحث والفحص والتمحص, والاستفادة من قوانين الطبيعة المسلم بها, وخدمة العلوم والانسان والبيئة.

     يعتبر الطبيب الفرنسي فرنسوا كينايfrançoiskenay -1694-1774- من ابرز الرواد الذين تركوا بصمتهم في تاريخ الفكر الاقتصادي, رغم نشأته وتخصصه في الجراحة والطب الا ان ولوعه بالاقتصاد جعله يهتم بالشؤون الاقتصادية خاصة عندما تقرب من بلاط الملك لويس الخامس عشر وارتقى حتى اصبح طبيب الملك الشخصي, فاهتم بالاقتصاد والثروة وكل ما تعلق بقوانين الطبيعة, فساهم بشكل كبير في تأسيس فكر ومدرسة سميت بالفيزيوقراطية, وهي احد ركائز الفكر الاقتصادي, وذلك من خلال مقاربته بين اهمية القلب للجسم ودوره في ضخ الدم الى كافة الاعضاء حاملا الغذاء وكل ما يحتاجه العضو لاجل النمو والقيام بوظائفه, ودورته الكاملة بين هذه الاعضاء, وبين دور النشاط الزراعي وقدرته على خلق الثروة ودورانها بين القطاعات الاقتصادية لتشكل دورة كاملة تبدا من النشاط الزراعي وتنتهي عنده, باعتبار ان الزراعة النشاط الوحيد والحي القادر على خلق ثروة المجتمع, وكذلك دوران هذه الثروة بين القطاعات الاقتصادية والتي اعتبرها عقيمة كالحرف والتجارة.

      ساهم الطبيب فرنسوا في تأسيس لمفهوم الدخل القومي و الازدواج الضريبي, وكذلك الحرية الاقتصادية في تجليات اليد الخفية, وافكار اخرى ما زالت حية ليومنا هذا, فتكوينه في مجال الطب والجراحة وسعيه من خلال ربط الظواهر الطبية وقوانين الطبيعة بالاقتصاد وضرورة الاستفادة منها جعلته ينجح وبشكل مبهر في وقته, فقد اسس لاهم مدرسة فكرية في علم الاقتصاد وهي المدرسة الفيزيوقراطية, والتي خدمت فرنسا وبشكل كبير باهتمامها بالنشاط الزراعي واعطائه اولوية كبيره لأهميته في زيادة ثروة الدولة, وكذلك اسس لأرضية فكرية صلبة للمدرسة الكلاسيكية في ما بعد تحت قيادة ادم سميث ودافيد ريكاردو واخرون من الذين ساهموا في تطوير النظرية الاقتصادية.

د.براهمي خالد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *